فخر الدين الرازي
356
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : فما السبب في حسن إطلاق لفظ الوجه على الذات ؟ نقول : إنه مأخوذ من عرف الناس ، فإن الوجه يستعمل في العرف لحقيقة الإنسان ، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى وجه غيره يقول : رأيته ، وإذا رأى غير الوجه من اليد والرجل مثلا لا يقول : رأيته ، وذلك لأن اطلاع الإنسان على حقائق الأشياء في أكثر الأمر يحصل بالحس ، فإن الإنسان إذا رأى شيئا علم منه ما لم يكن يعلم حال غيبته ، لأن الحس لا يتعلق بجميع المرئي وإنما يتعلق ببعضه ، ثم إن الحس يدرك والحدس يحكم فإذا رأى شيئا بحسه يحكم عليه بأمر بحدسه ، لكن الإنسان اجتمع في وجهه أعضاء كثيرة كل واحد يدل على أمر ، فإذا رأى الإنسان وجه الإنسان حكم عليه بأحكام ما كان يحكم بها لولا رؤيته وجهه ، فكان أدل على حقيقة الإنسان وأحكامه من غيره ، فاستعمل الوجه في الحقيقة في الإنسان ثم نقل إلى غيره من الأجسام ، ثم نقل لي ما ليس بجسم ، يقال في الكلام هذا وجه حسن وهذا وجه ضعيف ، وقول من قال : إن الوجه من المواجهة كما هو المسطور في البعض من الكتب الفقهية فليس بشيء إذ الأمر على العكس ، لأن الفعل من المصدر والمصدر من الاسم الأصلي وإن كان بالنقل ، فالوجه أول ما وضع للعضو ثم استعمل واشتق منه غيره ، ويعرف ذلك العارف بالتصريف البارع في الأدب . المسألة الثالثة : لو قال : ويبقى ربك أو اللّه أو غيره فحصلت الفائدة من غير وقوع في توهم ما هو ابتدع ، نقول : ما كان يقوم مقام الوجه لفظ آخر ولا وجه فيه إلا ما قاله اللّه تعالى ، وذلك لأن سائر الأسماء المعروفة للّه تعالى أسماء الفاعل كالرب والخالق واللّه عند البعض بمعنى المعبود ، فلو قال : ويبقى ربك ربك ، وقولنا : ربك معنيان عند الاستعمال أحدهما أن يقال : شيء من كل ربك ، ثانيهما أن يقال : يبقى ربك مع أنه حالة البقاء ربك فيكون المربوب في ذلك الوقت ، وكذلك لو قال : يبقى الخالق والرازق وغيرهما . المسألة الرابعة : ما الحكمة في لفظ الرب وإضافة الوجه إليه ، وقال في موضع آخر : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] وقال : يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [ الروم : 38 ] نقول : المراد في الموضعين المذكورين هو العبادة . أما قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فظاهر لأن المذكور هناك الصلاة ، وأما قوله : يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فالمذكور هو الزكاة قال تعالى من قبل : فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [ الروم : 38 ] ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [ الروم : 38 ] ولفظ اللّه يدل على العبادة ، لأن اللّه هو المعبود ، والمذكور في هذا الموضع النعم التي بها تربية الإنسان فقال : وَجْهُ رَبِّكَ . المسألة الخامسة : الخطاب بقوله : رَبِّكَ مع من ؟ نقول : الظاهر أنه مع كل أحد كأنه يقول : ويبقى وجه ربك أيها السامع ، ويحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن قيل : فكيف قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ خطابا مع الاثنين ، وقال : وَجْهُ رَبِّكَ خطابا مع الواحد ؟ نقول : عند قوله : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ وقعت الإشارة إلى فناء كل أحد ، وبقاء اللّه فقال / وجه ربك أي يا أيها السامع فلا تلتفت إلى أحد غير اللّه تعالى ، فإن كل من عداه فان ، والمخاطب كثيرا ما يخرج عن الإرادة في الكلام ، فإنك إذا قلت : لمن يشكو إليك من أهل موضع سأعاقب لأجلك كل من في ذلك الموضع يخرج المخاطب عن الوعيد ، وإن كان من أهل الموضع فقال : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ليعلم كل أحد أن غيره فان ، ولو قال : وجه ربكما لكان كل واحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب من الفناء ، فإن قلت : لو قال ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل ؟ نقول : كأن الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف والإبقاء إشارة إلى القهر ، والموضع موضع بيان اللطف وتعديد